السيد علي الحسيني الميلاني
313
نفحات الأزهار
فإن قالوا : أخذنا في هذه المسائل بمذهب أبي حنيفة - رحمه الله - وأنه حق ، فما بالهم يطعنون عليه ويلعنون ؟ ! وإن قالوا : مذهبه باطل ومذهبنا حق ، فما بالهم يلابسون المحظورات ويقارفون المنهيات ، ويبارزون بالمعاصي لمالك الأوامر والنواهي ، وهم يعلمون ذلك ولا يتناهون عنه ولا يرجعون ، بل يتعاونون على ذلك ويتظافرون وعلى ذلك يموتون ولا يتوبون عن ذلك ولا يتذكرون ؟ ! ومما يؤيد هذا ويوضحه أنك ترى أعلمهم وأزهدهم إذا تمكن من أمير أو وزير يعتقد أنه ظالم غاشم يجري معه في هواه ويوافقه فيما يهواه ، فيمدحه في وجهه بما ليس فيه حتى يصمه ويعميه ، ومذهبه أنه لا ولاية لهذا الأمير والوزير على أولاده الصغار تزويجا وعلى أموالهم بيعا وشراء ، وعلى تزويج بنته البكر البالغة ، فضلا عن أن يثبت له ولايته على العوام وأموال الأيتام والأوقاف وأموال بيت المال ، وأن توليته لا تصح ، وأن الأنكحة بحضرة أمثاله لا تنعقد ، ومع ذلك يتقلد منه القضاء والنظر في الأوقاف وأموال الأيتام مع اعتقاده أن توليته باطلة وتقلده فاسد ، وهو في مدحه إياه وإعانته ظالم آثم ثم ربما تعدى من ذلك إلى الوزارة وجمع المال بالطرق المحرمة ، ويظهر له أنه ناصح أمين وشفيق ومسكين وهو في الحقيقة خائن مبين ، فيتلهى بالرجل حتى يصل إلى أغراض فاسدة ، من التقدم على العوام وجمع الحطام وتخريب المدارس والرباطات معنى بتوليته من لا يصلح لها ، إذا علم أنه يدخل معه في هواه ويوافقه فيما يهواه ، وترك الصالح للتدريس والفتيا وعدم تمكينه من ذلك خوفا من أن يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر ، وينكر عليه أفعاله ولا يحسن أحواله . فلينظر العاقل المنصف أن من هذه صفاته هل يصلح أن يعتمد عليه في أمور الدين والدنيا ، ويؤتمن عليه في المصالح ويفوض إليه تدبير المملكة ، فمن هذه صفته لا يبعد منه أن يعتقد حقية مذهب الإمام أبي حنيفة - رحمه الله - ثم يظهر خلافه ليحصل له الرئاسة الكلية . . . " .